جورج جرداق

189

روائع نهج البلاغة

تحمله على أهوالها ومن خطبة رائعة له في معنى الدنيا : ساكنها ظاعن وقاطنها بائن ( 1 ) تميد بأهلها ميدان السفينة تقصفها العواصف في لجج البحار فمنهم الغرق ومنهم الناجي على بطون الأمواج تحفزه الرياح بأذيالها وتحمله على أهوالها ( 2 ) ، فما غرق منها فليس بمستدرك وما نجا منها فإلى مهلك ! كانوا أطول أعمارا من خطبة له في أحوال الدنيا : أما بعد ، فإني أحذركم الدنيا ، فإنها حلوة خضرة ، حفت بالشهوات وتحلت بالآمال وتزينت بالغرور .

--> 1 - بائن : مبتعد ، منفصل . 2 - أي : منهم من هلك عند تكسر السفينة ومنهم من بقيت فيه الحياة فخلص محمولا على بطون الأمواج ، كأن الأمواج في انتفاخها كالحيوان المنقلب على ظهره وبطنه إلى أعلى . أما هذا الناجي الذي تدفعه الرياح ، فمصيره أيضا إلى الهلاك ، بعد طول العناء .